الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

315

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

مقدرة السابرة . والاقتحام : الدخول العسير في مكان أو جماعة كثيرين يقال : اقتحم الصفّ ، وهو افتعال للدلالة على التكلف مثل اكتسب ، فشبه تكلف الأعمال الصالحة باقتحام العقبة في شدته على النفس ومشقته قال تعالى : وَما يُلَقَّاها إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا [ فصلت : 35 ] . والاقتحام : ترشيح لاستعارة العقبة لطريق الخير ، وهو مع ذلك استعارة لأن تزاحم الناس إنما يكون في طلب المنافع كما قال : والمورد العذب كثير الزحام وأفاد نفي الاقتحام أنه عدل على الاهتداء إيثارا للعاجل على الآجل ولو عزم وصبر لاقتحم العقبة . وقد تتابعت الاستعارات الثلاث : النجدين ، والعقبة ، والاقتحام ، وبني بعضها على بعض وذلك من أحسن الاستعارة وهي مبنية على تشبيه المعقول بالمحسوس . والكلام مسوق مساق التوبيخ على عدم اهتداء هؤلاء للأعمال الصالحة مع قيام أسباب الاهتداء من الإدراك والنطق . وقوله : وَما أَدْراكَ مَا الْعَقَبَةُ حال من العقبة في قوله : فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ للتنويه بها وأنها لأهميتها يسأل عنها المخاطب هل أعلمه معلم ما هي ، أي لم يقتحم العقبة في حال جدارتها بأن تقتحم . وهذا التنويه يفيد التشويق إلى معرفة المراد من العقبة . و ما الأولى استفهام . و ما الثانية مثلها . والتقدير : أيّ شيء أعلمك ما هي العقبة ، أي أعلمك جواب هذا الاستفهام ، كناية عن كونه أمرا عزيزا يحتاج إلى من يعلمك به . والخطاب في ما أَدْراكَ لغير معين لأن هذا بمنزلة المثل . وفعل أَدْراكَ معلق عن العمل في المفعولين لوقوع الاستفهام بعده وقد تقدم نظيره في سورة الحاقة . وقرأ نافع وابن عامر وعاصم وحمزة وأبو جعفر ويعقوب وخلف ، فَكُّ رَقَبَةٍ برفع فَكُّ وإضافته إلى رَقَبَةٍ ورفع إِطْعامٌ عطفا على فَكُّ وجملة : فَكُّ رَقَبَةٍ بيان للعقبة والتقدير : هي فكّ رقبة ، فحذف المسند إليه حذفا لمتابعة الاستعمال . وتبيين العقبة بأنها : فَكُّ رَقَبَةٍ * أَوْ إِطْعامٌ مبني على استعارة العقبة